فصل: تابع سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: السلوك لمعرفة دول الملوك **


 وفي يوم الخميس سابع عشره

أخرج السلطان محمل الحاج‏.‏

وفيه أخرج السلطان عبد المؤمن بن عبد الوهاب السلامي والي قوص من السجن وسمر على باب المارستان المنصوري من القاهرة بمسامير جافية شنعة وطيف به مدة ستة أيام وهو

يحادث الناس في الليل بأخباره‏.‏

فمما حدثهم به أنه هو الذي ركب حتى ضرب النشو كما تقدم ذكره وأنه لما سقطت عمامته ظنها رأسه‏.‏

وكان إذا قيل له اصبر يا عبد المؤمن يقول أسأل الصبر وينشد كثيراً‏.‏

يبكى علينا ولا نبكي على أحد ونحن أغلظ أكباداً من الإبل فلما كان يوم السبت ثاني عشريه‏:‏ شنق عبد المؤمن على قنطرة السد ظاهر مدينة مصر عند الكيمان وترك حتى ورم وأكلته الكلاب‏.‏

وكان عبد المؤمن من السلامية بالعراق فبعثه المجد السلامي إلى السلطان الناصر محمد مرارا حتى عرف عنده‏.‏

ثم تنكر عبد المؤمن علي المجد السلامي ورافعه إلى السلطان حتى تغير عليه وكتب إلى أبي سعيد بإحضاره‏.‏

فأثبت المجد السلامي محضراً على عبد المؤمن بأنه رافضي كافر قتال الأنفس وقدم به على السلطان وتحاقق معه‏.‏

فتعصب قوصون لعبد المؤمن حتى بطلت حجة المجد السلامي عليه مع ظهورها فاختص عبد المؤمن بقوصون ولبس الكلفتاه ثم ولي قوصون‏.‏

وكان شجاعاً فاتكاً يتجاهر بالرفض ويقول إذا حلف على شيء‏:‏ وحياة مولاي علي‏.‏

وفي هذه الأيام‏:‏ أخرج بأحد وعشرين أميراً إلى الإسكندرية صحبه الأمير طشتمر طلليه منهم

أرقطاي نائب طرابلس وجركتمر بن بهادر وابن المحسني والي القاهرة وأسنبغا بن البوبكري ويلجك ابن أخت قوصون وبرسبغا الحاجب‏.‏

فلما وصلوا إلى الثغر وسجنوا به قتل قوصون وألطنبغا الصالحي نائب الشام وجركتمر بن بهادر وبرسبغا الحاجب‏.‏

وفيه رسم للأجناد الذين استخدمهم قطلوبغا الفخري بعودهم إلى دمشق بطالين فكثر تشكيهم ووقفوا للنائب فلم تسمع لهم شكوى‏.‏

وفيه أكثر السلطان من الإنعام على أهل الكرك حتى خرج عن الحد وعزم على مسك بيبرس الأحمدي وغيره من الأمراء فاحترزوا على أنفسهم إلى أن وقع الكلام مع السلطان في شيء من ذلك فاجتمع عنده الأمراء وابتدأ الحاج آل ملك في طلب بلد يتوجه إليه وسأل نيابة حماة فخلع عليه في يوم الخميس عشريه واستقر في نيابة حماة عوضاً عن طقزدمر‏.‏

وخلع السلطان على بيبرس الأحمدي واستقر في نيابة صفد وعلى أقسنقر واستقر في نيابة غزة‏.‏

وفي يوم الإثنين مستهل ذي القعدة‏:‏ سار الأمير الحاج آل ملك إلى نيابة حماة‏.‏

وفيه خلع السلطان على الأمير قطلوبغا الفخري واستقر في نيابة الشام وعلي الأمير أيدغمش بنيابة حلب‏.‏

وفي يوم الثلاثاء‏:‏ استقر قماري أمير أخور عوضاً عن أيدغمش أحمد شاد الشرابخاناه أمير

شكار عوضاً عن قماري واستقر أقبغا عبد الواحد في نيابة حمص‏.‏

وفيه رسم السلطان أن يستقر سنجر البشمقدار وتمر الساقي من جملة أمراء مصر‏.‏

وفيه أنعم السلطان على قراجا بن دلغادر وقد قدم إلى مصر بإنعامات كثيرة وكتب له بالأمرية على التركمان وتوجه إلى نيابة الإبلستين‏.‏

وفي يوم الأحد سابعه‏:‏ خرج الأمير أيدغمش متوجهاً إلى نيابة حلب‏.‏

وفي يوم الإثنين خامس عشره‏:‏ خرج الأمير قطلوبغا الفخري متوجهاً إلى دمشق ومعه من تأخر من عسكر الشام‏.‏

وخرج الأمير طشتمر حمص أخضر النائب ومعه جميع الأمراء لوداعه ومد له سماطاً عظيماً‏.‏

وفي يوم السبت عشريه‏:‏ قبض على الأمير طشتمر حمص أخضر نائب السلطنة وسبب ذلك أنه أكثر من معارضة السلطان بحيث تغلب عليه ورد مراسيمه وصار يتعاظم ويظهر من الترفع على الأمراء والأجناد ما لا يحتمل مثله وإذا شفع إليه أحد من الأمراء رد شفاعته ولم يقبلها ولا يقف لأمير إذا دخل إليه واذا أتته قصة عليها علامة السلطان بإقطاع أو غيره أخذ ذلك وطرد من هي باسمه وأخرق به‏.‏

وقرر طشتمر مع السلطان أنه لا يمضي من المراسيم السلطانية إلا ما يختاره وتقدم إلى الحاجب بألا يقدم أحد قصة إلى السلطان حتى يكون حاضراً ومنع ذلك فلم يتجاسر أحد أن يقدم قصة للسلطان في غيبته وتقدم جماعة من المماليك لطلب ما يزيد في مراتبهم فرسم طشتمر أن كل من خرج عن خبزه يعود إليه ولم يمكن المماليك السلطانية من أخذ شيء‏.‏

وأخذ طشتمر إقطاع الأمير بيبرس الأحمدي وتقدمته لولده فكرهته الناس‏.‏

وصارت أرباب الدولة وأصحاب الأشغال كلها في بابه وتقربوا إليه بالهدايا والتحف‏.‏

وانفرد طشتمر بأمور الدولة وحط على الكركيين وقصد منعهم من الدخول على السلطان فلم يتهيأ له ذلك‏.‏

وكان ناصر الدين المعروف بفأر السقوف قد توصل بالكركيين حتى استقر بفضل توصيتهم في وظيفة إمام السلطان يصلي به وصار كذلك ناظر المشهد النفيسي عوضاً عن تقي الدين علي بن القسطلاني خطيب جامع عمرو وجامع القلعة‏.‏

وخلع السلطان علي ناصر الدين بغير علم النائب طشتمر فبعث إليه طشتمر عدة نقباء ونزع عنه الخلعة وسلمه إلى المقدم إبراهيم بن صابر وأمر بضربه وإلزامه بحمل مائة ألف درهم‏.‏

فضربه ابن صابر عرياناً ضرباً مبرحاً واستخرج منه أربعين ألف درهم ثم أفرج عنه بشفاعة أيدغمش وقطلوبغا الفخري بعد ما أشهد عليه أنه لا يطلع إلى القلعة‏.‏

وأخذ طشتمر قصر معين بالغور من مباشري قوصون وأحاط بما فيه من القند والعسل والسكر وغير ذلك‏.‏

فكثر حنق السلطان منه وتغيره عليه إلى أن قرر مع المقدم عنبر السحرتي والأمير أقسنقر السلاري في القبض عليه وعلى قطلوبغا الفخري وأن يستدعي مماليك بشتاك وقوصون وينزلهم بالأطباق من القلعة ويقطعهم إقطاعات بالحلقة ليصيروا من جملة المماليك السلطانية خوفاً من حركة طشتمر النائب فعارض طشتمر السلطان فيهم فرتب السلطان عدة مماليك بداخل القصر للقبض عليه‏.‏

وكان مما جدد طشتمر في نيابته أن منع الأمراء أن تدخل إلى القصر بمماليكها وبسط من باب القصر بسطاً إلى داخله فكان الأمير لا يدخل القصر وقت الخدمة إلى مبفرده فدخل هو أيضاً بمفرده ومعه ولداه إلى القصر وجلس على السماط على العادة‏.‏

فعندما رفع السماط قبض كشلي السلاح دار أحد المماليك وكان معروفاً بالقوة على كتفيه من خلف ظهره قبضاً عنيفاً وبدر إليه جماعة فأخذوا سيفه وقيدوه وقيدوا ولديه‏.‏

ونزل أمير مسعود الحاحب في عدة من المماليك السلطانية فأوقع الحوطة على بيته وأخذ مماليكه جميعهم فسجنهم‏.‏

وخرج في الحال ساعة القبص على طشتمر الأمير ألطنبغا المارداني والأمير أروم بغا السلاح دار ومعهما من أمراء الطبلخاناة والعشرات نحو من خمسة عشر أميراً ومعهم من المماليك السلطانية وغيرهم ألف فارس ليقبضوا على قطلوبغا الفخري نائب الشام‏.‏

وكتب السلطان إلى الأمير أقسنقر الناصري نائب غزة بالركوب معهم بعسكره فجمع من عنده ومن في معاملته من الجبلية‏.‏

وكان قطلوبغا الفخري قد ركب من الصالحية فبلغه مسك طشتمر ومسير العسكر إليه من هجان بعث به إليه بعض ثقاته فساق إلى قطيا وأكل بها شيئاً ورحل وقد استعد حتى تعدى للعريش فإذا أقسنقر بعسكر غزة في انتظاره على الزعقة‏.‏

وكان ذلك وقت الغروب فوقف كل منهما تجاه أصحابه حتى أظلم الليل فسار الفخر بمن معه وهم ستون فارساً على البرية‏.‏

فلما أصبح آقسنقر علم أن الفخري فاته فمال أصحابه على أثقال الفخري فنهبوها وعادوا إلى غزة‏.‏

واستمر الفخري ليلته ومن الغد حتى انتصف النهار وهو سائق فلم يتأخر معه إلا سبعة فرسان ومبلغ أربعة ألاف دينار وقد وصل بيسان وعليها الأمير أيدغمش نازل‏.‏

فترامى عليه الفخري وعرفه بما جرى وأنه قطع خمسة عشر بريداً في مسير واحد‏.‏

فطيب أيدغمش خاطره وأنزله في خام ضرب له وقام له بما يليق به فلما جنه الليل أمر به فقيد وهو نائم وكتب بذلك إلى السلطان مع بكا الخضري‏.‏

وكان السلطان لما بلغه هروب قطلوبغا الفخري تنكر على الأمراء واتهمهم بالمخامرة عليه وهم أن يمسكهم في يوم الإثنين تاسع عشريه فتأخر عن الخدمة الجاولي وجماعة فلما كان وقت الظهر بعث السلطان لكل أمير أربعين طائر أوز وسأل عنهم ثم بعث أخر النهار إليهم بأمرهم أن يطلعوا من الغد‏.‏

فقدم بكا عشية يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجة ومعه سيف قطلوبغا الفخري فسر السلطان بذلك وكتب بحمله إلى الكرك‏.‏

فلما طلع الأمراء إلى الخدمة في يوم الثلاثاء ترضاهم وبشرهم بمسك قطلوبغا الفخري ثم أخبرهم أنه متوجه إلى الكرك وأنه يعود بعد شهر‏.‏

وكان السلطان قد تجهز إلى الكرك فأخرج في ليلة الأربعاء طشتمر حمص أخضر في محارة بقيده ومعه جماعة من المماليك السلطانية موكلون بحفظه وعين مع المقدم عنبر السحرتي عدة من المماليك‏.‏

وتقدم السلطان إلى الخليفة بعدما ولاه نظر المشهد النفيسي عوضاً عن ابن القسطلاني أن يسافر معه إلى الكرك‏.‏

ورسم لجمال الكفاة ناظر الخاص والجيش ولعلاء الدين على بن فضل الله كاتب السر أن يتوجها معه إلى الكرك وركب معه الأمراء من قلعة الجبل يوم الأربعاء ثانيه بعدما ألبس ثمانية من المماليك خلع الإمريات على باب الخزانة‏.‏

وخلع السلطان على آقسنقر السلاري وقرره نائب الغيبة وخلع على شمس الدين محمد بن عدلان واستقر قاضي العسكر وخلع علي زين الدين عمر بن كمال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر البسطامي واستقر به قاضي القضاة الحنفية عوضاً عن حسام الدين الغوري‏.‏

فلما قارب السلطان قبة النصر خارج القاهرة وقف حتى قبل الأمراء يده على مراتبهم

ورجعوا عنه‏.‏

فنزل عن فرسه ولبس ثياب العربان وهي كاملية مفرجة وعمامة بلثامين وساير الكركيين وترك الأمراء الذين معه وهم قماري والحجازي وأبو بكر بن أرغون النائب مع المماليك السلطانية والطلب‏.‏

وتوجه السلطان على البرية إلى الكرك ولبس معه إلا الكركيين ومملوكين وهم في أثره فقاسوا مشقة كبيرة من العطش وغيره حتى وصلوا ظاهر الكرك وقد سبقهم السلطان إليها وقدمها في يوم الثلاثاء ثامنه فكتب السلطان إلى الأمراء بمصر يعرفهم ذلك ويسلم عليهم فقدم كتابه يوم الخميس سابع عشره‏.‏

ولما دخل الملك الناصر أحمد إلى الكرك لم يمكن أحداً من العسكر أن يدخل المدينة سوى علاء الدين علي بن فضل الله كاتب السر وجمال الكفاة ناظر الخاص والجيش فقط‏.‏

ورسم السلطان أن يسير الأمير المقدم عنبر السحرتي بالمماليك إلى قرية الخليل عليه السلام وأن يسير قماري وعمر ابن النائب أرغون والخليفة إلى القدس‏.‏

ثم رسم السلطان أن ينتقل المقدم بالمماليك إلى غزة لغلاء السعر بالخليل‏.‏

وفي أثناء ذلك وصل أمير علي بن أيدغمش بالأمير قطلوبغا الفخري مقيداً إلى غزة وبها العسكر المجهز من مصر ومضى به إلى الكرك‏.‏

فبعث السلطان إليه من تسلم الفخري منه وأعاده إلى أبيه ولم يجتمع به فسجن قطلوبغا الفخري وطشتمر حمص أخضر بقلعة الكرك بعد ما أهين الفخري من العامة إهانة بالغة ونكل به نكالاً فاحشاً‏.‏

وفيه كتب السلطان لآقسنقر نائب غزة بإرسال حريم قطلوبغا الفخري إلى الكرك وكانوا قد ساروا من القاهرة بعد مسيره بيوم فجهزهن آقسنقر إليه فأخذ أهل الكرك جميع ما معهن حتى ثيابهن وبالغوا في الفحش والإساءة‏.‏

وفيه كتب السلطان لآقسنقر السلاري نائب الغيبة بمصر أن يوقع الحوطة على موجود طشتمر حمص أخضر وقطلوبغا الفخري ويحمل ذلك إليه بالكرك‏.‏

وكان السلطان إذا رسم بشيء جاء كاتب كركي لكاتب السر وعرفه عن السلطان بما يريد فيكتب ذلك ويناوله للكاتب فيأخذ عليه علامة السلطان‏.‏

ويبعثه حيث رسم وأما العسكر المتوجه من القاهرة إلى غزة فإن ابن أيدغمش لما قدم عليهم غزة ومعه قطلوبغا الفخري أراد الأمير ألطنبغا المارداني أن يؤخره عنده بغزة حتى يراجع فيه السلطان‏.‏

فلم يوافقه ابن أيدغمش وتوجه إلى الكرك فرحل المارداني وبقية العسكر عائدين إلى القاهرة فقدموها يوم السبت خامس ذي الحجة‏.‏

وفيه أخذ السلطان في تحصين الكرك وشحنها بالغلال والأقوات وأخرج بكتمر العلائي منها إلى طرابلس ومحمد أبوه إلى صفد‏.‏